الشيخ محمد رشيد رضا

460

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

اللّه الذي أرسلني واعتمدت عليه وحده بعد ان أديت رسالته بقدر طاقتي فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ من أجمع الامر كالسفر والصيام وغيرهما وأجمع عليه إذا عزم عليه عزما لا تردد فيه قيل أصله جمع ما تفرق من أسبابه ومقدماته ، وأجمع القوم على الشيء اتفقوا عليه كلهم لم يشذ أحد منهم ، أي أجمعوا ما تريدون من أمركم مع شركائكم الذين تعبدونهم من دون اللّه لا تتفرقوا فيه ، وقيل التقدير وادعوا شركاءكم ليعينوكم كما تزعمون كما أدعو ربي وأتوكل عليه ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ الذي تعتزمونه عَلَيْكُمْ غُمَّةً أي خفيا فيه شيء من الحيرة أو اللبس الذي يقتضي التردد في الانفاذ ، بعد العزم والاجماع ، بل كونوا على علم وبصيرة فيه لكيلا تتحولوا عنه بظهور الخطأ أو التردد في كونه هو الصواب ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ ذلك الامر بعد اجماعه واعتزامه وبعد استبانته التامة التي لا غمة فيها ولا التباس بان تنفذوه بالفعل ، فالقضاء يطلق بمعنى أداء الشيء وتنفيذه واتمامه ومنه ( فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ * فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ * فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً ) وتعديته بالى لإفادة ابلاغه وإيصاله إلى متعلقه بالفعل كما قال في أوائل السورة وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ) ويطلق بمعنى الحكم بالشيء وإذا عدي هذا بالى يفيد تبليغ خبره كقوله تعالى وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ الخ وقوله ( وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ) وَلا تُنْظِرُونِ أي لا تمهلوني بتأخير هذا القضاء وتنفيذه بعد استيفاء تلك المقدمات كلها هذه الآية من أبلغ آيات القرآن عبارة وأجمعها على إيجازها للمعاني الكثيرة من علم النفس ، ودرجة إيمان الأنبياء المرسلين وثقتهم باللّه عز وجل ، وشجاعتهم واحتقارهم لكل ما في الحياة الدنيا من أسباب الخوف من غيره والرجاء فيما سواه ، وبيان خاتمهم لسنته تعالى فيهم وفي أقوامهم ، وحسن وعظه لهم بوحي ربه تعالى ، فهو يضرب لحاله ومقامه معهم مثل نوح مع قومه في غرور كل منهم بكثرتهم وقوتهم وتكذيبهم واحتقارهم لرسوله ولمن آمن معه من الضعفاء والفقراء ، ولما